عبد الملك الجويني

350

نهاية المطلب في دراية المذهب

يؤثِّر عندنا في ذلك المقصود ؛ فإن الأم إذا أرضعت وانصرفت ، فلم يطل الزمان فاستعبر الصبي أو نابه ما يقتضي تسكينَه ، فلو عادت إليه وأرضعته ، فهذا يعد رضعة ثانية ، وإن كانت لو أدامت الإكباب على الإرضاع ، لكان لا يبعد تخلل مثل هذا الزمان مع العود إلى الرضعة الأولى ، وهذا لا ينكره من [ يهتم ] ( 1 ) بدرك المعارف ( 2 ) . ويتخلل في الأكلة من الزمان ما لا يعتد به ، فلو قام الرجل مضرباً ، ثم عاد لأمرٍ اقتضى العَوْدَ وافتتح الأكل ، عُدّ أكْلة واحدة ، فالرجوع إذاً إلى المعارف ؛ فإن بانت في الاتحاد والتعدد ، جرى الحكم بحسبها . وإن تردد الرأي بين اتحاد الرضعة وتعددها ، تردُّدَ إشكال ، لا تردُّدَ اجتهاد ، فالأصل الاتحاد ، وعدم وقوع الحرمة المنوطة بالعدد ، وإن تقابل اجتهادان في اقتضاء الاتحاد والتعدد ، ثار الخلاف ، وهذا جارٍ في كل ما يتلقى من العرف . 10001 - وقد قال العراقيون حكايةً : من أصحابنا من قال : إن الرضاع إنما ينقطع ويتعدد بإضراب الصبي ، فلو لم يُضرب وقامت المرأة ، ثم عادت وتكرر ذلك مراراً ، فالكل رضعة . وهذا قول سخيف ؛ فإن مأخذ الكلام في التعدد والاتحاد الاسمُ ، وهو متلقى من العرف ، فإذا قامت المرأة ، وتخلل زمانٌ قاطع ، ثم عادت ، عُدّ ذلك رضعتين ، فلا معنى للنظر إلى إضراب الصبي ، والذي ذكروه [ على بعده ] ( 3 ) إذا دام تشوُّف الصبي إلى الرضاع في الزمان المتقطع ، فأما إذا انقطع تشوفه ، فهذا ملتحق بإضرابه . والأصلُ على الجملة فاسد . 10002 - ومما يتصل بالعدد في الرضاع ما نصفه ، فنقول : تعدد الارتضاع من الثدي على ما وصفناه ، وأما إذا احتُلب اللبنُ من الثدي ، فتناوله الصبي من الظَّرف ، فتفصيل ذلك أنه لو احتلب منها بدُفعة ووصل المحتلَب إلى جوف الصبي بدُفعة ، فذلك

--> ( 1 ) في الأصل : من يتهم . ( 2 ) المعارف : المراد هنا الأعراف ، جمع عُرف . ( 3 ) في الأصل : على بعد منه .